يُعدّ شعر الرثاء أحد أصدق ألوان الشعر العربي وأعمقها تأثيرًا، إذ يعبّر الشاعر من خلاله عن مشاعر الفقد والألم بعد رحيل عزيز أو قريب. وقد عُرف هذا الفن منذ الجاهلية واستمر عبر العصور، لأنه يرتبط بأقوى المشاعر الإنسانية: الحزن، والاشتياق، والوفاء. فالرثاء ليس مجرد بكاء على الميت، بل هو استحضار لذكراه، وتخليد لمناقبه، وتعبير عن الفراغ الكبير الذي يتركه رحيله في القلوب.

وغالبًا ما تأتي قصائد الرثاء مشحونة بالعاطفة الصادقة التي لا تحتاج إلى تكلّف أو مبالغة. فالشاعر وهو يكتب عن فقيده يكتب بدموع قلبه، فيصور حزنه وآلامه بصورة حيّة تحاكي مشاعر كل من ذاق مرارة الفقد. ولهذا يجد القارئ في شعر الرثاء عزاءً غير مباشر، يشعره بأن حزنه مفهوم ومشترك بين البشر جميعًا.

ومن الأبيات التي تعبّر عن ألم الفراق بأسلوب مؤثر:

رحلتَ لكنَّ الذكرياتِ تظلُّ في
قلبي جراحًا لا يُداويها الزمانُ
يا من تركتَ العمرَ يمضي موحشًا
ما عاد بعدك في الحياةِ أمانُ

فهذه الأبيات لا تكتفي بوصف الموت حدثًا، بل تصوّر أثره العميق في روح الحيّ الذي بقي وحده يحمل الوجع. كما يتجلّى في شعر الرثاء عنصر الوفاء، حيث يحرص الشاعر على ذكر مناقب الميت وخصاله النبيلة، وكأن القصيدة تصبح شهادة تقدير لحياته وسيرته، فيقول مثلًا:

كنتَ السراجَ إذا تبدّى ليلُنا
وكنتَ قلبَ البيتِ حين ينامُ
تمضي وتبقى بيننا سيرتُكَ
طِيبًا يُعانقُ روحَنا وسلامُ

ولا يقتصر شعر الرثاء على الحزن المجرد، بل يحمل في كثير من الأحيان بعدًا إنسانيًا وروحيًا، يمزج بين الألم والرجاء في رحمة الله. فيدعو الشاعر للميت بالمغفرة والسكينة، ويستودعه رحمة الخالق، فيظهر التوازن بين الفقد البشري والإيمان بالقضاء والقدر:

نم في أمان الله يا روحًا سمت
نحو السماء وعند ربك مأواك
ندعو الإله بأن يفيض رحيمةً
ويجعل الجنان جوازَ ملقاك

ويمتاز شعر الرثاء أيضًا بقدرته على تصوير لحظات الصدمة الأولى بعد الرحيل، حين يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة الموت التي لا مهرب منها. وهنا تتحول القصيدة إلى مساحة للتعبير عن الدهشة، والانكسار، والتسليم في آن واحد، وهو ما يجعلها أقرب إلى اعتراف وجداني عميق.

ومع تطور الأزمنة ظل هذا اللون من الشعر حاضرًا، سواء في القصائد الكلاسيكية ذات الوزن والقافية، أو في الشعر الحر الذي يعبّر بأسلوب أكثر انسيابية، لكن المشترك بينهما هو صدق الشعور وحرارة التجربة الإنسانية.

وفي النهاية، يبقى شعر رثاء الميت مرآة صادقة لقلوب مكسورة تبحث عن لغة تحمل ما لا تستطيع النفس البوح به مباشرة. فهو ليس مرثيةً للميت وحده، بل هو أيضًا بوح للحيّ الذي يحاول أن يتصالح مع حزنه، ويحفظ ذكرى من رحل بكرامة ووفاء.


المصدر موقع عبارة