الخطبة الثانية/
الحمدُ للهِ الذي أَنزَلَ على عبدِهِ الكِتَابَ، ولَمْ يَجعلْ لَهُ عِوجَاً، قَيِّمَاً، بَشَّرَ به الْمُؤمنينَ وأنذَرَ بِهِ قوماً لُدَّاً،
أَشهدُ ألَّا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، أَكرَمَنَا بِالقُرآنِ, وَجَعَلَهُ رَبِيعَاً لِقُلُوبِ أَهلِ الإيمان،
وأَشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ حثَّ على تَعَلُّمِ القُرآنِ وَتَعلِيمِهِ، والتَّفَكُّرِ فيهِ وَتَفهِيمِهِ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليه وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ
ومن تَبِعَهم بإحسانٍ وَإيمَانٍ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَأَعْطُوا الْقُرْآنَ حَقَّهُ ولا تَبخَسُوهُ,
وَوَجِّهُوا أَوْلَادَكُمْ إليهِ ولا تُغفِلُوهُ, فَإِنَّهُ عَامِرُ الْقُلُوبِ بِالْإِيمَانِ وَطَارِدُ الأَحْزَانِ وَالشَّيطَانِ.
عِبَادَ اللهِ: حَمْدًا للهِ تَعَالى أنْ كَانَ مَشْرُوعُ جَمْعِيَّاتِ تَحْفِيظِ القُرَآنِ مَشْرُوعَ دَولَتِنَا وَوُلاةِ أمْورِنَا أَعَزَّهُمُ اللهُ بِطَاعَتِهِ.
فَدَعَمُوهَا مَادِيَّاً وَمَعْنَوِيًّا وَجَعَلُوا الْمُسَابَقَاتِ بِاسْمِهِمْ وَحُضُورِهِمْ.
ثُمَّ الحَمْدُ للهِ دَومَاً وَأبَدَاً أنْ أسَّسَ هَذِهِ الجَمْعِيَّاتِ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلْمِ الْمُخْلِصونَ,
وَكَذَلكَ رِجَالُ العَمَلِ والْمَالِ البَاذِلِونَ. بَذَلُوا أوقَاتَهُمْ وَفِكْرَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ, فَجَزَاهُمُ اللهُ خيرَا,
وَبَارَكَ لَهُمْ في أعمَارِهِمْ وَأمْوالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ.
حَقَّاً يَا مُؤمِنُونَ: مَشرُوعُ حِفْظِ القُرْآنِ والعَمَلُ لَهُ مَشْرُوعٌ رابِحٌ لا يَعرِفُ الفَشَلَ ولا الخَسَارَةَ!
فَسَيُقَالُ لِلْحَافِظِ: «اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».
حُقَّ لنا أنْ نَفخَرَ بِحَمَلَةِ كِتابِ اللهِ فهم الْمُقَدَّمونَ في الدُّنيا والآخِرةِ, وَذلِكَ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ تَعالى!
فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ :«إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ
وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً .هنيئاً لكم أيُّها الحفظَةُ:
«فالْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ».
أَيُّهَا الأَبُ الْمُبَارَكُ وَالأُمُ الفَاضِلَةُ، أَلا تَعْلَمُ أَنَّكَ بِحَثِّكَ لأَولادِكَ عَلى مَجَالِسِ الْعْلِمِ وَالْحَلَقَاتِ أَنَّهُمْ يِحْمِلُونَ لَقَبَ:
صَاحِبِ القُرْآنِ! فَهَنِيئًا لَكُمَا فَقَدْ أحسَنتُما التَّربِيَةَ فَلَبِستُمَا تَاجَ الوَقارِ,
فَفِي الحَدَيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ حَامِلِ القُرآنِ: «يُعطَى الْمُلكَ بِيَمِينِهِ والخُلدَ بِشِمَالِهِ،
وَيوضَعُ على رَأسِهِ تَاجُ الوَقَارِ, ويُكسَى والِدَاهُ حُلَّتَينِ لا تَقُومُ لُهُمُ الدُّنيا ومَا فِيها، فَيَقُولانِ: يَا رَبِّ، أَنَّى لَنَا هذا؟
فَيُقَالُ: بِتَعلِيمِ وَلَدِكُمَا القُرآنَ» صَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ. وَأَعْظَمُ مِن ذَلِكَ: نَيْلُ الرِّضْوَانِ وَالقُرْبُ مِنَ الرَّحْمَنِ:
(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
أيُّها الْمؤمنونَ: في حَلَقَاتِ وَمُجَمَّعَاتِ تَحْفِيظِ القُرَآنِ الْكَرِيمِ شَبابٌ قَرأُوا القُرآنَ غَضَّاً طَرِيَّا كما أُنزِلَ فَأَعَادَوا لَنَا الأَمَلَ والسُّرُورَ,
وأَدرَكنَا أنَّ في شَبابِناً خيراً كثيراً إنْ فُتِحت لهمُ البَرامِجُ الدَّعوِيَّةُ, والْمَحَاضِنُ التَّربَويَّةُ, فَعِنْدَمَا يَجلِسُ
وَلَدُكَ بَينَ يَدَي مُعلِّمِهِ، فَيقْرَأُ عَليهِ آيَاتِ القُرَآنِ العَظيمِ، حِينَهَا سَيَرَى قَلْبُهُ النُّورَ،
وتَدِبُّ في عُرُوقِ أَغْصَانِهِ الْحَيَاةُ والْحَيَاءُ والْخَشْيَةُ، وَسَيَعْرِفُ رَبَّهُ، وَجَلالَهُ وَعَظَمَتَهُ وَعِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ!
سَيَرَى الحقَّ وَالبَاطِلَ، وَيَعْرِفُ سَبِيلَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُجْرِمِينَ.فَكلُّ آيَةٍ تَطْرُقُ سَمْعَهُ، سَتَدْخُلُ لِفُؤادِهِ،
وَتُثَبِّتُهُ على الصِّرَاطِ الْمٌسْتَقِيمِ
كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا:(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا *نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
فَجَزَى اللهُ خَيراً كُلَّ مُعَلِّمٍ ومُعَلِّمَةٍ, وَمَنْ سَاهَمَ وَأَعَانَ,(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
«وَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ». وَالويلُ الخَسَارُ, لِكُلِّ مَنْ صَدَّ عن تَعلِيمِ كِتابِ اللهِ وَتَحفِيظِهِ,
بِقَلَمِهِ أو بِلِسانِهِ فَأَسَاءَ لِلعَامِلينَ, فَكَالَ التُّهَمَ لَهُمْ مُحَاوِلاً الْوَقِعَةَ بِهم, أو التَّشكِيكَ في مَنهجِهِم وولائِهم! فَهؤلاءِ هُمُ الْمُفْسِدُونَ حَقًّا،
وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ!
ألا فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ: وكُونُوا مِن أَهلِ القُرآنِ: «فَإِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ:
هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ». جَعَلنا اللهُ وإيَّاكم منهم, وَجعلَنا مَفَاتِيحَ لِلخير مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ, اللهمَّ انفعنا وارفعنا بالقُرآنِ العظيمِ,
اللهمَّ عَلِّمنا منهُ ما جَهلنا وذكِّرنا منهُ ما نُسِّينا وارزقنا تِلاوتَهُ أناءَ الليلِ وأطرافَ النَّهار, اللهمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنا
وَنُورَ صُدُورِنَا وَجَلاءَ أَحزَانِنَا وَذَهَابَ هُمُومِنَا, اللهمِّ اجزِ العامِلينَ والقائِمينَ على الجمعيَّاتِ كُلَّ خيرٍ وفِّقهم في الدَّارينِ,
اكفِهم شَرَّ كُلِّ حاسِدٍ ومُنافقٍ, اللهمَّ اجْزِ ولاةَ أُمُورِنَا على دَعمهم وتَشجِيعهم لِحَفَظَةِ كتابِكَ خيرَ الجَزَاءِ وأَوفَاهُ,
واجعلهم لِشَرعِكَ مُحَكِمينَ ولِكتابكَ مُتَّبِعينَ وبِسُنَّةِ نبِيِّكَ مُهتدينَ ياربَّ العالَمِينَ,
وَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضى وَأعنْهُم على البِرِّ والتَّقْوى. انصُرْ جُنُودَنَا وَاحفظْ حُدُودَنَا.
واغْفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا والْمُسْلِمينَ أَجْمَعِينَ. اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .