في السابع عشر من سبتمبر عام 2011، انطلقت حركة احتجاجية ارتجالية وبلا قيادة محددة، واعتصم المشاركون بها في ميدان الحرية بالحي المالي في مدينة نيويورك، أطلقت على نفسها اسم "احتلوا وول ستريت"، ووصلت فكرتها إلى مئات المدن حول العالم.

عارضت الحركة في المقام الأول، عدم المساواة في الدخل، حيث تمتلك مجموعة الأشخاص الأغنى من سكان العالم غالبية ثروتها، وألقى المحتجون باللوم على وول ستريت في خلق الأزمة المالية في 2008 والركود والبطالة طويلة الأمد الناتجة عنها.


طالب المحتجون باستعادة "العملية الديمقراطية"، التي زعموا أنها خاضعة لسيطرة أموال واتصالات وسلطة وول ستريت، وركز نشطاء الحركة بعد ذلك على عدد من القضايا ذات العلاقة بالدخل والمساواة والديمقراطية، وتبنى سياسيون أفكارها.

ورغم تلاشي الحراك الاحتجاجي في شكله التقليدي منذ ذلك الحين، فإن هذه العفوية الجماهيرية أعيد إحياؤها مرة أخرى الفترة الأخيرة، من خلال صراع "الأسماك ضد الحيتان" في وول ستريت، والذي هدم بعضاً من ثوابت السوق وركز الضوء مرة أخرى على هيمنة رؤوس الأموال الضخمة على مجريات الأمور.

وبدلاً من الاحتجاج أو انتظار وقوع أزمة لإلقاء اللوم على الأغنياء المخطئين، قرر المستثمرون الأفراد التنسيق معًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، لدفع سهم شركة الألعاب الإلكترونية "جيم ستوب" عكس الاتجاه الذي راهنت عليه الصناديق، وتسببوا لها بخسائر فادحة بالفعل، ليبعثوا برسالة مفادها أن الأمور لم تعد كما كانت. (اطلع على القصة كاملة من هنا).

الديمقراطية المالية

- تعهدت شركة "روبين هود" للخدمات المالية، إضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات التمويل، ولفترة وجيزة في يناير الماضي، بدا أن تطبيق التداول الخاص يؤدي هذه المهمة تمامًا، مع مواجهة صغار المستثمرين للاعبين الرئيسيين في وول ستريت والذين راهنوا على انحدار سهم "جيم ستوب".

- لا تزال التداعيات طويلة المدى للملحمة التي هزت العالم، غير معروفة، وينظر المنظمون في الارتفاع المفاجئ لسهم "جيم ستوب" وغيره، لكن ما هو صحيح هو أن ملكية الأسهم في أمريكا لا تزال غير ديمقراطية، حيث إن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يتداولون الأسهم هم بالفعل أغنى شريحة في المجتمع.

- 84 % من جميع الأسهم التي تمتلكها الأسر الأمريكية تقع في يد أغنى 10%، وهذه الأرقام مأخوذة من دراسة أجريت عام 2017، من قبل الاقتصادي "إدوارد إن وولف" الذي استخدم بيانات من مسح تمويل المستهلك للكشف عن مدى انحراف ملكية الأسهم الأمريكية.


- لاحظ "وولف" أن تركيز الأسهم في أيدي الأثرياء له عواقب وخيمة على عدم المساواة في الثروة، وبدلاً من امتلاك الأسهم، استثمرت ثروة الطبقة الوسطى إلى حد كبير في ملكية المنازل.
- يعني ذلك أن هذه الشريحة من المجتمع الأمريكي تأثرت بشدة بانخفاض أسعار المساكن الذي بدأ في عام 2007، وقد كانت هذه الضربة أكثر حدة بالنظر إلى أن الأجور الحقيقية بالكاد ارتفعت على مدى السنوات الأربعين الماضية.
- بما أن الولايات المتحدة بلد يتداخل فيه عدم المساواة الاقتصادية مع عدم المساواة العرقية، فهناك أنماط أخرى واضحة في ملكية الأسهم، وبينما تمثل الأسهم 17% من ثروة الأسر البيضاء في أمريكا، فإنها لا تمثل سوى 3% من ثروة الأسر ذات الأصول السوداء واللاتينية.

تمرد مبرر

- قال الخبير الاقتصادي "محمد العريان"، إن ظاهرة التداولات التي يتحكم بها صغار المستثمرين عبر شبكة التواصل "ريديت"، ضد لاعبي وول ستريت الكبار، تضم كل عناصر حراك الربيع العربي، مضيفاً أنه يستوعب تماماً من أين يأتي الغضب.

- يشير مصطلح "الربيع العربي" إلى الجيل المتمرس إلكترونياً والذي يدعم التغييرات الكبيرة، كما أنه يعكس عفوية المتظاهرين في الدول العربية عندما تحركوا بلاد قيادة أو زعامة محددة، وكانت النتائج غير متوقعة.
- ارتفع سهم "جيم ستوب" في يناير بأكثر من 1700% متسبباً في خسائر بمليارات الدولارات للمؤسسات التي راهنت على هبوطه، قبل أن ينخفض بشدة في فبراير ثم يعاود الارتفاع مجدداً، وعند هذه المرحلة يرى العريان أن رد فعل المستثمرين الأفراد كان مبرراً.

- جنون التداولات جاء من العدم، ما جعل المنظمين في حالة من الارتباك بين السعي لحماية المستثمر الصغير أو ملاحقة قضايا التلاعب المحتمل بالسوق.


- العريان يعتقد أن الخوف والغضب في وول ستريت، بسبب عدم المساواة في الثروة والدخل والفرص، كانا وراء هذه الانتفاضة في السوق الأمريكي، مضيفاً: "هناك الكثير من الغضب، فخلال هذا الوقت العصيب الذي انكمش فيه الاقتصاد وهناك بطالة هائلة، ارتفعت وول ستريت من مستوى قياسي إلى آخر.. من أصبح أغنى؟ إنهم الأغنياء أنفسهم".

- هناك 3 عوامل تفسر ضعف ثقة صغار المستثمرين، وتدفعهم إلى شن حرب ضد النظام المالي؛ أولها توافر الأموال في ظل تراجع إنفاق الأسر، وثانيها توافر فرصة للتنسيق عبر "ريديت"، وأخيرًا وجود منصات مثل "روبين هود" التي ترفع العقبات أمام دخول السوق.

- مع ذلك، يحذر العريان من مخاطر ذات صلة؛ بسبب ارتفاع السيولة إلى مستويات غير مسبوقة، ويقول: "الدرس المستفاد من السنوات الماضية، هو أن الأساسيات جيدة، لكن ليس هذا ما يحرك الأسواق، موجة السيولة ضخمة ومستقرة نسبيا، لكنها ستنكسر عند مرحلة ما".

- يبقى السؤال في النهاية: في ظل هذه التحركات العفوية الغاضبة والمخاوف من تقلبات السوق، هل يكون هناك واقع جديد مفروض بالقوة أو مدفوع بتحرك المنظمين القلقين؟

المصادر: أرقام- الغارديان- بزنس إنسايدر- ذا بالانس