بعد قفزة الـ200%.. ماذا بعد بالنسبة للنفط والمنتجين الأمريكيين؟

ضمن سوق النفط العالمي مكاناً بارزاً في كتب التاريخ خلال الأسابيع القليلة الماضية، بداية من الانهيار التاريخي لعقود النفط الأمريكية دون الصفر لأول مرة ونهاية بالتعافي القياسي الذي تجاوز 200% في غضون أسابيع قليلة.

وبعد أن شكّل العشرون من أبريل علامة بارزة في تاريخ الخام مع هبوط سعر العقود الآجلة لخام غرب تكساس الأمريكي إلى سالب 40 دولاراً، لم يمر سوى شهرين ليصل لطرف النقيض ويمحو علامة السالب محتفظاً بنفس الرقم لكن بنطاقه الموجب في الثاني والعشرين من يونيو.



رحلة التعافي السريع

مثلما تضافرت للوصول لانهيار غير مسبوق تاريخياً في الأسعار، تكاتفت قوى العرض والطلب لتعود بالنفط لطريق التعافي النسبي وفي وقت أسرع مما توقعه الكثيرون.

على جانب العرض، توصل تحالف "أوبك +" الذي يجمع أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط وبعض المنتجين من خارجها على رأسهم روسيا لاتفاق يقضي بخفض الإمدادات 9.7 مليون برميل يومياً، بالإضافة لخفض طوعي إضافي من بعض الدول، وهو الاتفاق الذي تم تمديده حتى نهاية يوليو.

كما اضطر المنتجون خارج هذا التحالف لخفض إنتاج النفط بنحو 4.5 مليون برميل مع هبوط الأسعار وتجاوز تكاليف التنقيب للإيرادات المحققة من بيع الخام.

وطوال خمسة عشر أسبوعاً متتالياً قامت شركات التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة بإيقاف عمل منصات الخام، لينخفض العدد الإجمالي إلى 189 منصة في الأسبوع المنتهي في 19 يونيو مقارنة بـ789 منصة قبل عام واحد، ما يعني أن العدد وصل لأقل مستوى مسجل منذ عام 1987 على الأقل.

وكان عدد منصات التنقيب الأمريكية عن النفط يقف عند مستوى 683 منصة في شهر مارس الماضي.



وانعكست هذه الحقائق على إنتاج النفط الأمريكي والذي تهاوى لأدنى مستوياته منذ عام 2018 ووصوله إلى متوسط 10.500 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 12 يونيو مبتعداً عن الرقم الأسبوعي القياسي المسجل قبل ظهور وباء "كوفيد-19" والبالغ 13.100 مليون برميل.

بينما على جانب الطلب، تعافى استهلاك الخام عالمياً وخاصة في الصين مع عودة تدريجية للنشاط الاقتصادي وتخفيف تدابير الإغلاق الوطني وصعود الطلب على الوقود مجدداً.

وقامت الصين باستيراد 47.97 مليون طن (ما يعادل 11.34 مليون برميل يومياً) من النفط الخام خلال مايو، محطمة رقماً قياسياً جديداً بدعم عودة المصانع للعمل والطلب على وقود السيارات.

بل وبدأ الحديث مؤخراً عن عجز محتمل في سوق النفط مع انخفاض المعروض وتعافي الطلب العالمي من مستوياته المتدنية المسجلة في أبريل.

ويرى "إتش إس بي سي" أن سوق النفط سيشهد عجزاً في شهر يوليو المقبل بعد أن تحول للتوازن في الشهر الجاري، ليرفع توقعاته لمتوسط سعر خام برنت إلى 39 دولاراً في العام الجاري من 37 دولاراً سابقاً.

الأسوأ خلفنا الآن

إذن هل عاد سوق النفط لوضعه الطبيعي؟ بالطبع لا يزال سعر الخام أقل من مستوياته المسجلة في بداية العام الجاري حينما بلغ سعر خام برنت 66 دولاراً للبرميل.

ويتفق المحللون على أن صدمة الطلب العالمي على النفط والذي تراجع بأكثر من 20 % في ذروة تدابير الإغلاق قد انتهت، وبالتالي يبدو الاتجاه المتوقع للاستهلاك مائلا للارتفاع.

لكن الوصول لمستويات الطلب في مرحلة ما قبل الوباء قد يستغرق وقتاً، مع توقعات استمرار الطلب الضعيف على السفر الجوي وبالتبعية طلب النفط المتعلق بالطيران، بالإضافة إلى معدلات البطالة التي ارتفعت في الأشهر الماضية وتهدد باستهلاك أقل وإنتاج أقل.



وتوقعت وكالة الطاقة الدولية انكماشاً قياسياً للطلب على الخام في العام الحالي عند 8.1 مليون برميل معظمه يقتصر على النصف الأول من العام، لكنها ترى تعافياً تاريخياً أيضاً في العام المقبل يبلغ 5.7 مليون برميل.

ورغم التعافي القوي المتوقع في العام المقبل، فإن الفجوة بين الطلب الإجمالي على النفط في العام المقبل و2019 سيبلغ 2.4 مليون برميل يومياً وهو ما يفسره الوضع الصعب لقطاع الطيران والذي سيظل يعاني من تبعات الأزمة خلال 2021.

لكن ماذا عن الشق الثاني من المعادلة؟ تشير التوقعات إلى أن العام الجاري سيشهد انخفاضاً للمعروض من الخام بنحو 7.2 مليون برميل يومياً في المتوسط.

في حين تقف المستويات المرتفعة من المخزونات عائقاً أمام التعافي القوي للأسعار، حيث تظهر البيانات أن المخزون الأمريكي من الخام وصل لمستوى قياسي في شهر يونيو الجاري، كما أن مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتجاوز متوسط الخمس سنوات الماضية وتغطي 90 يوماً من الطلب.



هل يعود النفط الصخري؟

يمثل النفط الصخري الأمريكي الشبح الذي يهدد استمرار تعافي النفط، مع ملايين البراميل من الخام التي قد تدخل الأسواق مجدداً وتعيد معضلة تخمة المعروض.

ويحتاج معظم النفط الصخري لأسعار تتجاوز 50 دولاراً للبرميل للوصول لنقطة التعادل، أي أن وصول السعر حالياً إلى 40 دولاراً لا يكفي لحدوث زيادة ملحوظة للإنتاج الأمريكي من الخام.

ووفقاً لشركة "جي.بي.سي إنيرجي"، فإن عودة النفط الصخري الأمريكي لمستويات ما قبل الوباء وأزمة انهيار الأسعار قد تستغرق حتى سبتمبر 2023.

لكن هذا لا يعني أن جزءاً من النفط الأمريكي لن يعود أسرع من ذلك، وبالفعل أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة للأسبوع المنتهي في 19 يونيو ارتفاع إنتاج الخام 500 ألف برميل ليصل إلى 11 مليون برميل يومياً.

ويعتبر الصعود الأخير في الإنتاج الأمريكي هو الأول في 13 أسبوعاً متتالياً، كما يأتي بعد هبوط 20 بالمائة في إمدادات الخام للولايات المتحدة منذ مارس/آذار.

لكن التوقعات لا تزال تشير إلى أن متوسط إنتاج النفط الأمريكي سيتراجع في العام الجاري إلى 11.6 مليون برميل يومياً، بانخفاض 0.7 مليون عن العام الماضي، كما سيواصل الهبوط إلى 10.8 مليون برميل في 2021.