نائب المراقب العام
محـ اليتامى ـب
الحالة
غير متصل
رد: تأمُّلات إيمانية في رحاب خواتيم سورة القصص
العاقبة للمتقين المتواضعين:
ï´؟ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ï´¾ [القصص: 83- 88].
قال ابن كثير في "تفسيره" معلقًا على هذه الآيات الأواخر من هذه السورة الكريمة ما نصه: "يخبر تعالى؛ أن الدار الآخرة، ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضِعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض؛ أي: ترفعًا على خلْق الله، وتعاظمًا عليهم، وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم"، فالتواضع سِمَةٌ مطلوبة لبلوغ أعلى الدرجات يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بَنُونَ، بل إن القدر يومئذ يُقاس بالأخلاق الكريمة وعلى رأسها التواضع، هو خلَّةٌ تَزَيَّن بها النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم، ودعا أصحابه إليها.
نموذج من أهل الإيمان الصابرين المحتسِبين:
خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه نموذج مِن الرجال، الذين صنَعَهم القائدُ الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلقد صبر خبَّاب لموجة مِن العذاب، ولم تُلِن له أيدي الكفار قناةً، فجعلوا يُلصِقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه، أجل كان حظُّ خبَّاب مِن العذاب كبيرًا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب.
لقد حوَّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبَّاب، والذي كان يُصْنَع منه السيوف، حوَّلوه كلَّه إلى قيود وسلاسل كان يُحْمَى عليها في النار حتى تستعر وتتوهَّج، ثم يطوَّق بها جسده ويداه وقدماه.
مرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، والحديد المحمَّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانًا وأسًى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبَّاب؟ لا شيء إلا أن يثبِّته ويدعو له.
هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفَّيه المبسوطتين إلى السماء، وقال: ((اللهم انصر خبَّابًا)).
ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قِصَاص عاجل، كأنما جعله القدرُ نذيرًا لها ولغيرها مِن الجلاَّدين، ذلك أنها أُصِيبت بسُعار عصيب وغريب جعلها - كما يقول المؤرخون - تعوي مثل الكلاب! وقيل لها يومئذ: لا علاج سوى أن يُكْوَى رأسها بالنار، وهكذا شهِد رأسُها ****يدُ سطوةَ الحديد المحمَّى يصبِّحه ويمسِّيه[2].
كانت قريش تُقاوم الإيمانَ بالعذاب، وكان المؤمنون يُقاوِمون العذابَ بالتضحية، وكان خبَّاب واحدًا مِن أولئك الذين اصطفاهم اللهُ ليجعل منهم أساتذةً في فن التضحية والفداء، ومضى خبَّاب يُنفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقتْ أعلامه، ولم يكتفِ رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرتَه على التعليم؛ فكان يغشى بيوتَ بعضِ إخوانه مِن المؤمنين، الذين يكتمون إسلامهم خوفًا مِن بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويُعلِّمهم إياه.
لقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آيةً آيةً وسورةً سورةً، حتى إن عبدالله بن مسعود - وهو الذي قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن أراد أن يَقرأ القرآن غضًّا كما أُنْزِل فليقرأه بقراءة ابنِ أمِّ عبد)) - كان يَعتبِر خبَّابًا مرجعًا فيما يتَّصل بالقرآن حفظًا ودراسة، وهو الذي كان يدرِّس القرآن لفاطمة بنتِ الخطاب وزوجها سعيد بن زيد رضي الله عنهما، عندما فاجأهم عُمَرُ بن الخطاب متقلِّدًا سيفه، الذي خرج به ليصفِّي حسابَه مع الإسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآنَ المسطور في الصحيفة التي كان يُعلِّم منها خبَّابٌ، حتى صاح صيحته المباركة: دُلُّوني على محمد صلى الله عليه وسلم.
فالعاقبة للمتقين المحتسِبين الصابرين الذين غرسوا في نفوسهم الإيمانَ الراسخ، وجعلوه نبراسَهم في أيام المِحَن والابتلاء، وهذا النموذج الرائع الذي سُقناه فيما سلفَ خيرُ دليلٍ على أن الله ينصر المؤمنين والمؤمنات الصابرين المتمسِّكين بجذوة التقوى.
فلا عقيدة صحيحة إلا عقيدة التوحيد، والإسلام السَّمْح الذي جاء به خير المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل الآلهة المزعومة إلى زوال؛ فقد ثبت في "الصحيح" مِن طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصْدَقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ: ألَا كلُّ شيء مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ))؛ "صحيح البخاري" برقم (3841)، و"صحيح مسلم" برقم (2256).
هذا، والله أعلم.
يارب لك أرفع أكف الضراعة وإيمانى بك يملأ قلبى بكل القناعةيارب ياعظيم
ياصاحب العرش الكريم يارحمن الدنيا والآخرة ورحيمهمايامن لايعجزه شيء في السماء ولافي الأرض ياقوي ياقادرأسألك أن تغفرلأمي وأبي وترحمهما وتوسع لهما في قبريهما وتنورلهما فيه يارب

مواقع النشر (المفضلة)