فأمر من وقته بدابته فأسرجت وبعث إلى رؤوس أهل البلد فجمعهم وأتى بهم إلى باب الحبس ففتح،
ودخل خزيمة ومن معه، فألفى عكرمة في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر.
فلما نظر إليه عكرمة وإلى الناس أحشمه ذلك ونكس رأسه، فأقبل خزيمة حتى أكبَّ على رأسه فقبله.
فرفع عكرمة رأسه وقال: ما أعقب هذا منك؟ قال: كريم فعالك وسوء مكافأتي. قال: فغفر االله لنا ولك.
ثم أمر بالحداد ففك القيد عنه، وأمر خزيمة أن يوضع في رجل نفسه. فقال عكرمة: تريد ماذا؟
قال: أريد أن ينالني الضرُّ مثل ما نالك. قال: أقسم عليك باالله ألا تفعل.
فخرجا جميعاً إلى أن وصلا دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف. فقال له: ما أنت ببارح.
قال: وما تريد؟ قال: أغير من حالك، وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك.


ثم أمر بالحمام فأخلي ودخلا جميعاً، ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه،
ثم خرجا، فخلع عليه وجمله وحمل إليه مالاً كثيراً، ثم سار معه إلى داره
واستأذنه في الاعتذار إلى ابنة عمه فأذن له فاعتذر لها وتذمم من فعله ذلك
ثم سأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وهو " يومئذ " مقيم بالرملة، "
فأنعم به لذلك فسارا جميعاً حتى قدما فلسطين، فدخل الحاجب فأعلم سليمان ابن عبد الملك بقدوم خزيمة بن بشر،
فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم بغير أمرنا، مع قرب العهد به؟ ما هذا إلا لحادث عظيم.
فلما دخل عليه قال له قبل أن يسلّم: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين.
قال: فما الذي أقدمك؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك به،
لما رأيت من تلهفك وشوقك إلى رؤيته. قال: ومن هو؟
قال عكرمة الفياض. فأذن له بالدخول.


فدخل وسلم عليه بالخلافة، فرحب به وأدناه من مجلسه،
وقال: يا عكرمة! ما كان خيرُك له إلا وبالاً عليك. ثم قال: اكتب حوائجك كلها وما تختاره في رقعة.
قال: أوَيعفيني أمير المؤمنين؟ قال: لا بد. ثم دعا بدواة وقرطاس وقال: اعتزل واكتب جميع حوائجك، ففعل ذلك،
فأمر بقضائها جميعاً من ساعته، وأمر له بعشرة آلاف دينار وسفطين من ثياب ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية وأذَربيجان
وقال له: أمرُ خزيمة إليك، إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته، قال: بل أردُّه إلى عمله يا أمير المؤمنين.
ثم انصرفا جميعاً. ولم يزالا عاملين لسليمانَ بن عبد الملك مدة خلافته.