لم يكن صباح "سينومي ريتيل" عاديا هذه المرة، فالشركة التي اعتادت تصدر مشهد التجزئة في السعودية وجدت نفسها في قلب واحدة من أكثر قضايا الحوكمة والشفافية حساسية في السوق المالية.
حيث أعلنت هيئة السوق المالية بإحالة 17 مشتبهاً بهم بينهم مسؤولون سابقون وحاليون في شركة "سينومي ريتيل" إلى النيابة العامة وإيداع الدعوى الجزائية بحقهم.
ومع تصاعد الحديث عن شبهات تتعلق بتضليل السوق وإساءة استخدام صلاحيات وأموال الشركة، بدأت التساؤلات تتجاوز حدود القضية القانونية نفسها، إلى ما هو أبعد: هل تواجه الشركة أزمة سمعة عابرة؟ أم أن المخاطر قد تمتد إلى تآكل الثقة طويلة الأجل، وارتفاع الضغوط على التقييم السوقي، وربما دخول الشركة في دوامة دعاوى وتعقيدات رقابية وتمويلية؟
القضية فتحت بابا واسعا للنقاش حول كفاءة الحوكمة والرقابة في الشركات المدرجة، ومدى تأثير مثل هذه القضايا على ثقة المستثمرين والسوق المالية السعودية ككل.
السيناريو الأسوأ لا يتمثل في انهيار القيمة السوقية
خبراء قانونيون أكدوا لـ "الاقتصادية" أن السيناريو الأسوأ لا يتمثل فقط في تراجع سعر سهم شركة "سينومي ريتيل"، بل في فقدان الثقة بإدارة الشركة واستمرار ضعف الحوكمة، وهو ما قد ينعكس على شهية المستثمرين، وتكلفة التمويل، والعلاقة مع الشركاء والمساهمين على المدى الطويل.
قال بسام العبيد، خبير الأسواق المالية، إن القضايا المرتبطة بالمخالفات المالية أو التلاعب في الشركات المدرجة غالبًا ما تبدأ عبر بلاغات أو دعاوى يتقدم بها مساهمون أو مختصون قانونيون، أكثر من اكتشافها المبكر عبر الجهات الرقابية، مشيرًا إلى أن الحجم الكبير للقوائم المالية والتقارير الدورية للشركات المدرجة يشكل تحديًا أمام عمليات المتابعة المستمرة.
أوضح أن السوق السعودية تضم أكثر من 250 شركة مدرجة، ما يجعل من الصعب مراقبة جميع القوائم المالية والتقارير الربعية والسنوية بشكل تفصيلي ودائم، مؤكدًا أن تعاون المحامين والمختصين والمستثمرين يسهم في تعزيز الرقابة واكتشاف أي تجاوزات محتملة.
كما شدد العبيد على أهمية توجيه العقوبات نحو المسؤولين التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارات المتسببين بالمخالفات، بدلًا من تحميل الشركة نفسها تبعات العقوبات بما قد يضر بالمساهمين غير المرتبطين بالمخالفات. كما دعا إلى تسريع إجراءات التقاضي وتطبيق العقوبات، معتبرا أن تأخير العدالة يضعف أثر الردع ويزيد من الأضرار المحتملة
وأشار إلى أن حساسية الأسواق تجاه قضايا الحوكمة ليست حكرا على السوق السعودية، بل تعد سمة مشتركة في جميع الأسواق المالية، موضحًا أن تأثير الأخبار المرتبطة بالقوائم المالية يعتمد بدرجة كبيرة على وعي المستثمر وقدرته على التمييز بين “الضجة الإعلامية” والخطر المالي الحقيقي.
وبين أن أسوأ السيناريوهات التي قد تواجهها الشركات تتمثل في تضرر قوائمها المالية بصورة جوهرية، أو تعرضها لإجراءات رقابية قد تصل إلى الإيقاف، مؤكدًا أن المستثمر الفرد أصبح اليوم أكثر تأثرًا بالعناوين المتداولة ومواقع التواصل الاجتماعي، ما يستدعي رفع الوعي الاستثماري وعدم اتخاذ القرارات بناءً على ردود الفعل اللحظية.
صدور حكم بالإدانة قد يترتب عليه تداعيات جزائية ومدنية واسعة
من جانبه، أوضح المحامي معاذ الأحيدب أن صدور حكم قضائي بالإدانة قد يترتب عليه تداعيات جزائية ومدنية واسعة، تشمل السجن والغرامات والمنع من العمل في الشركات المدرجة، إضافة إلى العزل من عضوية مجالس الإدارات ورد المكاسب غير المشروعة، وذلك في حال ثبوت التلاعب بالقوائم المالية أو تضليل السوق أو إساءة استخدام أموال الشركة.
وأضاف أن المسؤولية المدنية تبقى قائمة أيضا، إذ يحق للمتضررين المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، سواء عبر دعاوى جماعية أو مستقلة، استنادا إلى المادة 269 من نظام الشركات، والتي تمنح المتضررين حق المطالبة بالتعويض عن الجرائم أو المخالفات المنصوص عليها نظامًا.
وبين الأحيدب أن المطالبات قد تشمل التعويض عن خسائر الأسهم أو القرارات الاستثمارية التي بُنيت على بيانات مالية غير دقيقة، إضافة إلى مساءلة أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية عن الأضرار الناتجة عن تلك الممارسات.
وأشار إلى أن تداعيات مثل هذه القضايا لا تتوقف عند الأفراد المتورطين، بل تمتد إلى الشركة نفسها، ما يدفع العديد من الشركات إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية تشمل تغيير الإدارة، وإعادة هيكلة لجان المراجعة الداخلية، والاستعانة بمستشارين قانونيين مستقلين، وإعادة إصدار القوائم المالية عند الحاجة.
هل أصبحت السوق أكثر حساسية تجاه قضايا الحوكمة؟
بدوره، قال خبير الأسواق المالية محمد الميموني: إن السوق السعودية أصبحت أكثر حساسية تجاه قضايا الحوكمة والمخالفات المرتبطة بالشركات المدرجة، موضحا أن المستثمرين باتوا يدركون أن المشكلات الإدارية قد تكون أحيانًا أخطر من تراجع الأرباح المؤقتة.
وأوضح أن التمييز بين “الضجة الإعلامية” والخطر المالي الفعلي يتطلب تقييم عدة عوامل، من أبرزها ما إذا كانت القضية مرتبطة بأشخاص محددين أو بنموذج عمل الشركة بالكامل، إضافة إلى وجود أثر مباشر على السيولة أو الأرباح أو الالتزامات المالية، وكذلك مرحلة القضية وما إذا كانت لا تزال ضمن نطاق التحقيقات أو وصلت إلى إدانات وعقوبات رسمية.
وأشار إلى أن بعض الأسهم قد تشهد ردود فعل حادة عقب الأخبار، قبل أن تستعيد توازنها بعد اتضاح التفاصيل، مؤكدًا أن الأسواق تتحرك بالعاطفة على المدى القصير، بينما تحكمها النتائج المالية والأرقام الفعلية على المدى الطويل.
القضية ربما تفتح بابا للدعاوى الجماعية
أكد الدكتور والمحامي مساعد الرشيدي أن القضية قد تفتح الباب أمام دعاوى تعويض جماعية، إضافة إلى احتمالية تحرك الشركة نفسها أو كبار المساهمين للمطالبة بمساءلة المتسببين بالأضرار.
وأوضح أن قائمة المحالين تضم أعضاء مجالس إدارة حاليين وسابقين، ورئيسا تنفيذيا، ومديرين ماليين، وأعضاء من فريق مراجعة المراجع الخارجي السابق، وجهت إليهم اتهامات تتعلق بإيجاد انطباع مضلل بشأن القيمة الحقيقية للسهم، إضافة إلى استخدام أموال الشركة وصلاحياتهم بما يخالف مصالحها.
وأشار إلى أن العقوبات المحتملة "في حال صدور أحكام نهائية بالإدانة" قد تشمل السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات، وغرامات تصل إلى 5 ملايين ريال، أو كلتا العقوبتين وفق الأنظمة ذات العلاقة بالسوق المالية.
وأضاف أن المساهمين المتضررين يملكون الحق في رفع دعاوى تعويض جماعية أمام لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية، بعد التقدم بشكوى إلى هيئة السوق المالية، مع إمكانية انضمام مستثمرين آخرين للدعوى، لافتا إلى أن السوق السعودية شهدت في السابق أحكام تعويض جماعية في قضايا مشابهة.
وفي ما يتعلق بدور الجمعيات العمومية، شدد الرشيدي على أن الحوكمة الوقائية تمثل خط الدفاع الأول ضد التجاوزات، مشيرًا إلى أهمية تشكيل مجالس إدارة مستقلة وقوية، وتفعيل المراجعة الداخلية، وربط المكافآت بالأداء طويل الأجل والتدفقات النقدية الفعلية، إلى جانب تعزيز الرقابة على المعاملات مع الأطراف ذات العلاقة.
واختتم بالتأكيد على أن الحوكمة لم تعد مجرد متطلب تنظيمي، بل أصبحت عنصرا أساسيا في تقييم الشركات، وحماية ثقة المستثمرين، وتعزيز جاذبية السوق المالية السعودية على المدى الطويل
https://www.aleqt.com/%D8%AA%D9%82%D...8A%D9%84-10073


رد مع اقتباس


مواقع النشر (المفضلة)