كثيراً ما يُختزل الحديث عن الطاقة في الأرقام: حجم الاحتياطي، عدد البراميل، كلفة الإنتاج، أو موقع الدولة على خريطة التصدير. لكن التجربة العالمية تُظهر أن الطاقة، في جوهرها، ليست مسألة موارد بقدر ما هي مسألة إدارة. فامتلاك النفط أو الغاز أو أي مصدر طاقة لا يعني بالضرورة امتلاك القوة، كما أن فقدان المورد لا يعني حتماً الضعف. ما يصنع الفارق الحقيقي هو كيف تُدار الطاقة، وكيف تُدمج داخل الاقتصاد، وكيف تُحوَّل من مصدر دخل إلى رافعة استقرار طويل الأمد.
النفط، تحديداً، ظل لعقود يُنظر إليه بوصفه ضمانة سيادية. دول تملك النفط تشعر بالأمان، ودول تفتقر إليه تسعى لتعويضه بالتحالفات أو التقنية أو التنويع. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل. فالعالم لم يعد يقيس القوة بكمية النفط وحدها، بل بقدرة الدولة على التعامل مع تقلباته، واستيعاب دوراته، وتحييد مخاطره السياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، تبرز مفارقة واضحة: هناك دول غنية بالنفط لكنها هشّة اقتصادياً، ودول فقيرة بالموارد لكنها شديدة الاستقرار. الفرق لا يكمن في باطن الأرض، بل في مؤسسات الدولة، وفي السياسات العامة، وفي مدى فصل الطاقة عن الارتجال السياسي وربطها بالتخطيط طويل المدى. الطاقة تصبح عبئاً حين تُدار بعقلية قصيرة الأجل، وتتحول إلى ميزة تنافسية حين تُدار كقطاع استراتيجي منضبط.
وما يحدث في فنزويلا اليوم يقدّم مثالاً حيّاً على هذه المعادلة. دولة تملك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، ومع ذلك تعيش أزمة اقتصادية ومعيشية عميقة. المشكلة لم تكن يوماً في ندرة المورد، بل في كيفية إدارته، وفي تحويل النفط من رافعة تنمية إلى أداة صراع داخلي وخارجي. حين يُختزل النفط في كونه مصدر دخل سريع أو ورقة سياسية، يفقد قدرته على بناء اقتصاد متوازن، ويصبح عبئاً بدلاً من أن يكون ميزة. تجربة فنزويلا تذكّرنا بأن الطاقة لا تحمي الدول بذاتها، وأن امتلاك المورد دون حوكمة، واستثمار، وتنوع اقتصادي، قد يقود إلى نتائج عكسية تماماً لما يُفترض أن يحققه النفط من استقرار وازدهار.
هذا لا يعني أن النفط فقد قيمته، بل يعني أن قيمته تغيّرت. لم يعد النفط ضمانة مطلقة، بل عنصر ضمن منظومة أوسع تشمل الانضباط المالي، والسياسة الصناعية، واستقلال القرار الاقتصادي، والقدرة على امتصاص الصدمات. الدولة التي تعتمد على النفط وحده تصبح رهينة له، بينما الدولة التي تضع النفط داخل إطار اقتصادي متوازن تستطيع أن تستخدمه دون أن يستخدمها.
العالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية معقّدة. الطلب على الطاقة ما زال مرتفعاً، لكن طبيعة هذا الطلب تتغير. هناك ضغط بيئي، وتقلبات جيوسياسية، وتطور تقني سريع، وأسواق لا ترحم من لا يقرأ اتجاهاتها مبكراً. في هذا المشهد، لا تنجح الدول التي ترفع الشعارات، بل تلك التي تبني مؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات باردة في أوقات ساخنة.
التحليل الأهم هنا أن النفط لم يعد مجرد مسألة إنتاج، بل مسألة مرونة. مرونة في التصدير، مرونة في التسعير، مرونة في التعامل مع الأزمات، ومرونة في تنويع مصادر الدخل. الدول التي تمتلك هذه المرونة تستطيع التعامل مع الانخفاض كما تتعامل مع الارتفاع، ومع الضغوط كما تتعامل مع الفرص.
كما أن فصل الطاقة عن الشعبوية السياسية أصبح ضرورة. كلما دخل النفط في مزايدات داخلية أو صراعات قصيرة الأجل، تآكلت قيمته الاقتصادية. وكلما حُيّد عن التجاذبات، وأُدير بعقلية مؤسسية، تحوّل إلى عنصر استقرار لا مصدر توتر. التجارب الدولية تؤكد أن النفط حين يُدار بهدوء، يخدم الدولة، وحين يُدار بانفعال، يستنزفها.
في النهاية، السؤال الحقيقي لم يعد: من يملك النفط؟ بل: من يعرف كيف يديره؟ من يملك القدرة على تحويل مورد متقلب إلى سياسة مستقرة؟ ومن يفهم أن الطاقة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة ضمن مشروع اقتصادي أوسع؟
الطاقة لا تصنع الدول القوية، لكنها تكشفها. تكشف من يملك الرؤية، ومن يكتفي بالمورد. وبين المورد والرؤية، يُصنع الفارق كله.
https://maaal.com/articles/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF/




رد مع اقتباس


مواقع النشر (المفضلة)