تواجه أنظمة الرعاية الصحية حول العالم ضغوطًا متزايدة نتيجة تصاعد الطلب مقابل محدودية العرض، مدفوعة بتقدم أعمار السكان، وتوقع عجز يصل إلى عشرة ملايين عامل في القطاع الصحي بحلول عام 2030، إضافة إلى ارتفاع التكاليف بوتيرة تفوق نمو الناتج المحلي الإجمالي. كل ذلك يبرز الحاجة الملحّة إلى تغيير جذري في طريقة تقديم الرعاية الصحية.





كان من المفترض أن تسهم الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة التوازن، من خلال تحسين دقة التشخيص، ودعم اتخاذ القرار الطبي، وتعزيز مراقبة المرضى عن بُعد، وتبسيط العمليات الإدارية.









لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فعلى الرغم من استثمار أكثر من 100 مليار دولار من رأس المال الاستثماري في شركات الصحة الرقمية في الولايات المتحدة منذ عام 2010، فإن معظم الحلول الرقمية وحلول الذكاء الاصطناعي لم تنجح في تحقيق التوسع المطلوب.





ولا تزال غالبية المبادرات الصحية في مراحلها الأولى. فعلى سبيل المثال، يتركز أكثر من سبعين في المئة من موافقات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأميركية في تطبيقات التصوير الطبي، وهي حلول لم تحظَ بعد بتبنٍ واسع النطاق داخل الأنظمة الصحية.





تعقيد هيكلي يعرقل التوسع





تتسم أنظمة الرعاية الصحية بتعقيد بنيوي كبير، إذ تضم أطرافًا متعددة تشمل الجهات الممولة، ومقدمي الرعاية، والمرضى، والشركات الخاصة، والجهات التنظيمية، وكل ذلك في ظل أطر تنظيمية مختلفة من دولة إلى أخرى.





هذا التعقيد يجعل النماذج التقنية التقليدية عاجزة عن تحقيق النجاح على نطاق واسع، حتى عندما تثبت الحلول الرقمية فاعليتها محليًا. ويجد الفاعلون في القطاع صعوبة كبيرة في توسيع نطاق هذه الحلول.





وتبرز عدة عوائق رئيسية في هذا السياق، إذ يواجه المبتكرون في مجال الصحة، سواء من الشركات الناشئة أو المؤسسات الكبرى، تحديات كبيرة تتعلق بدمج الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي في الممارسة السريرية اليومية.





ويعود ذلك إلى تشتت البيانات، والتشريعات الصارمة، وصعوبة الوصول إلى بيانات مجهولة الهوية يمكن استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما يؤدي تجزؤ الأسواق إلى تعقيد التوسع خارج النطاقات المحلية.





إلى جانب ذلك، تسهم عوامل بشرية وحوكمية خاصة في تعميق هذه الانقسامات، من بينها الإرهاق الشديد الذي يعانيه الكادر الطبي، والمخاوف المرتبطة بمشاركة البيانات وحماية الخصوصية، والانحياز إلى تطوير الحلول داخل المؤسسات نفسها، إضافة إلى نقص التمويل وتعقيد نماذج الدفع والتعويض.





ريادة الأعمال السريرية





إن إطلاق الإمكانات الكاملة للحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين مختلف الأطراف المعنية. وتُعد ريادة الأعمال السريرية، التي غالبًا ما يتم تجاهلها داخل الأنظمة والمؤسسات الصحية، أحد أقوى محركات الابتكار والتحول الرقمي.





غير أن الاستفادة من هذا المورد تتطلب مواءمة قوية داخل بيئة المستشفيات، وهو ما تعيقه ضغوط العمل السريري، وعدم توافق الحوافز، حيث يُكافأ الأطباء على عدد المرضى الذين يعالجونهم لا على استدامة الأنظمة، فضلًا عن التقليل من قيمة الابتكار داخل ثقافات العمل.









نحو أنظمة ابتكار قابلة للتوسع





على الرغم من اختلاف أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، فإن المستشفيات تواجه تحديات متشابهة. ويبدأ الحل بتمكين القوى العاملة من الابتكار، وربطها بشركاء من القطاع الخاص وشبكات عالمية تدعم تبادل المعرفة وتطوير حلول قابلة للتوسع.





ويمكن لهذه الأنظمة المبتكرة أن ترتكز على عدة محاور رئيسية، تسهّل الانتقال من حلول محلية ناجحة إلى تأثير عالمي، من أبرزها:



-
الدمج الفعّال للحلول الرقمية محليًا: إذ يسهم تطوير الحلول بالشراكة مع المستشفيات في مواءمتها مع احتياجاتها الفعلية وفتح مصادر دخل جديدة، فيما تُعد برامج التدريب ضرورية لتمكين الكوادر الطبية من استخدام هذه الأدوات بكفاءة.



-
الشراكات بين القطاعين العام والخاص مع تقاسم المخاطر والمنافع: وذلك من خلال بناء منصات بيانات آمنة ومشتركة تتيح التعاون بين المستشفيات والشركات الناشئة والمؤسسات العالمية، وتطوير أدوات متكاملة عبر رحلة المريض كاملة.



-
تطوير منصات ابتكار عالمية: حيث يمكن توسيع نماذج الرعاية الناجحة بسرعة وتحسينها، مع تخفيف العوائق التنظيمية والتغلب على مقاومة تبني الحلول الخارجية.





ثقافة الابتكار والقيادة الشفافة





يسهم تعزيز الفضول والانفتاح على الأفكار الجديدة والاستعداد لتحمل المخاطر المحسوبة في تفكيك الحواجز الهرمية التي تعيق الإبداع، وتشجيع التعاون بين التخصصات المختلفة، وتعزيز الشمولية لتحسين حل المشكلات.





وتلعب القيادة الشفافة دورًا محوريًا في إيصال الرؤية بوضوح وتوفير الحوافز التي تمكّن الفرق من تبني التغيير ودفع عجلة الابتكار.





كما تكمل برامج التدريب على ريادة الأعمال هذا التحول، من خلال تزويد العاملين في مختلف المستويات بالمهارات اللازمة لتحديد التحديات، والتفكير النقدي، وتطوير حلول عملية. وتساعد ورش العمل الموجهة وبرامج الإرشاد وأدوات التفكير التصميمي على تحويل الأفكار إلى مشاريع مؤثرة تدعم الابتكار المستدام.





حركة عالمية متكاملة





يعتمد نجاح منصة "التسريع وإعادة التصميم والتعاون" على بناء منظومة متكاملة تربط أصحاب المصلحة عبر أنظمة الرعاية الصحية في شبكة عالمية واحدة، تركز على خلق بيئة ديناميكية وشاملة تحفّز الابتكار في مجالات متعددة، مع مواءمة الجهود لتعظيم الأثر الجماعي.





ويؤدي هذا النهج الشامل والمترابط عالميًا إلى تسريع التقدم التكنولوجي وضمان ترجمة الابتكارات إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع، بما ينهض بأنظمة الرعاية الصحية عالميًا.





ومن ثم، فإن تحقيق أقصى استفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يتطلب جهدًا عالميًا منسقًا. وتؤدي منصات مثل مبادرة التحول الرقمي للرعاية الصحية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي دورًا محوريًا في نشر هذه النماذج عالميًا وتكييفها مع الاحتياجات المحلية ضمن استراتيجية موحدة.





ولإنجاح هذه الموجة التحويلية، يتعين على الحكومات سن سياسات تشجع الابتكار، وعلى أنظمة الرعاية الصحية تبني عقلية تقدمية، فيما ينبغي على المبتكرين والمؤسسات المالية توجيه الاستثمارات نحو منظومات قابلة للتوسع وفعّالة.





وبتكامل هذه الجهود، يمكن إطلاق حركة عالمية نحو نظام رعاية صحية أكثر تكاملًا وتقدمًا تقنيًا.





المصدر: "المنتدى الاقتصادي العالمي"




المصدر...